الخطيب الشربيني

185

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وقوله تعالى : لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ مصدر بمعنى الكذب والعرب قد تضع الفاعل والمفعول موضع المصدر كقوله تعالى : لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً [ الغاشية : 11 ] أي : لغو والمعنى : ليس لها كذب قاله الكسائي ، أو صفة والموصوف محذوف أي : ليس لوقعتها حال كاذبة ، أي : كل من يخبر عن وقعتها صادق ، أو نفس كاذبة بأن تنفيها كما نفتها في الدنيا وقال الزجاج : ليس لوقعتها كاذبة أي : لا يردها شيء ، وقيل : إنّ قيامها جد لا هزل وقوله تعالى : خافِضَةٌ رافِعَةٌ تقرير لعظمتها وهو خبر لمبتدأ محذوف أي : هي ، قال عكرمة ومقاتل : خفضت الصوت فأسمعت من دنا ، ورفعت الصوت فأسمعت من نأى يعني : أسمعت القريب والبعيد . وعن السدي خفضت المتكبرين ورفعت المستضعفين . وقال قتادة : خفضت أقواما في عذاب الله تعالى ورفعت أقواما إلى طاعة الله تعالى . وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : خفضت أعداء الله تعالى في النار ورفعت أولياء الله تعالى في الجنة . وقال ابن عطاء : خفضت قوما بالعدل ورفعت آخرين بالفضل . ولا مانع أنّ كل ذلك موجود فيها والرفع والخفض يستعملان عند العرب في المكان والمكانة والعز والإهانة ؛ ونسب سبحانه وتعالى الخفض والرفع إلى القيامة توسعا ومجازا على عادة العرب في إضافتها الفعل إلى المحل والزمان وغيرهما مما لا يمكن منه الفعل ، يقولون : ليل قائم ونهار صائم وفي التنزيل : بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [ سبأ : 33 ] والخافض والرافع في الحقيقة هو الله تعالى ، واللام في قوله تعالى : لِوَقْعَتِها إمّا للتعليل أي : لا تكذب نفس في ذلك اليوم لشدّة وقعتها ، وإمّا للتعدية كقولك ليس لزيد ضارب ، فيكون التقدير إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها أمر يوجد لها كاذب إذا أخبر عنه . قال الرازي : وعلى هذا لا تكون ليس عاملة في إذا وهي بمعنى ليس لها كاذب إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ أي : كلها على سعتها وثقلها بأيسر أمر رَجًّا أي : حركت تحريكا شديدا بحيث ينهدم ما فوقها من بناء وجبل ، قال بعض المفسرين : ترتج كما يرتج الصبي في المهد حتى ينهدم ما عليها وينكسر كل شيء عليها من الجبال وغيرها ، والرجرجة : الاضطراب ، وارتج البحر وغيره واضطرب وفي الحديث : « من ركب البحر حين يرتج فلا ذمة له » « 1 » . يعني إذا اضطربت أمواجه والظرف متعلق بخافضة أو بدل من إذا وقعت . ولما ذكر حركتها المزعجة أتبعها غايتها بقوله تعالى : وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا أي : فتتت حتى صارت كالسويق الملتوت من بس السويق إذا لتّه ؛ قال ابن عباس ومجاهد : كما يبس الدقيق أي : يلت ، والبسيسة السويق ، أو الدقيق يلت بالسمن أو الزيت ثم يؤكل ولا يطبخ وقد يتخذ زادا قال الراجز « 2 » : لا تخبزا خبزا وبسّا بسّا * ولا تطيلا بمناخ حبسا

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 5 / 79 ، 271 ، والقرطبي في تفسير 12 / 284 ، 17 / 196 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 41371 . ( 2 ) الرجز لبعض اللصوص في الحيوان 4 / 490 ، وبلا نسبة في لسان العرب ( خبز ) ، ( بحسس ) ، ( حدس ) ، وتهذيب اللغة 7 / 215 ، 216 ، 12 / 316 ، وتاج العروس ( خبز ) ، ( حدس ) ، ( بسس ) ، وديوان الأدب 2 / 160 ، 3 / 124 .